السيد المرعشي
94
شرح إحقاق الحق
ومنهم الفاضل المعاصر الشريف علي فكري الحسيني القاهري المتوفى سنة 1372 في كتابه " أحسن القصص " ( ج 3 ص 214 ط دار الكتب العلمية في بيروت ) قال : وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال : أفرض أهل المدينة وأقضاهم علي بن أبي طالب . ومنهم العلامة عبد الله بن نوح الجيانجوري المتولد في سنة 1324 في " الإمام المهاجر " ( ص 156 ط دار الشروق بجدة ) قال : وقال ابن مسعود : أفرض أهل المدينة وأقضاها علي . وقال فيه أيضا : وقالت عائشة : علي أعلم من بقي بالسنة . ومنهم الأستاذ محمد سعيد زغلول في " فهارس المستدرك " للحاكم ( ص 692 ط بيروت ) قال : كان أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب 3 / 135 ومنهم المستشار عبد الحليم الجندي في " الإمام جعفر الصادق " ( ص 30 ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة ) قال : وأما عن العلم فيقول ابن عباس : إذا ثبت لنا الشئ عن علي لم نعدل إلى غيره ، وأما عن العدل فيقول ابن مسعود معلم الكوفة وسادس المسلمين : كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال العلامة المؤرخ الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي النباهي الأندلسي المالقي المعروف بابن الحسن المتوفى بعد سنة 793 في " تاريخ قضاة الأندلس المسمى بمرقبة العليا فيمن يستحق القضا والفتيا " ( ص 23 ط دار الآفاق الجديدة في بيروت سنة 1403 ) : وأما أرسخ الصحابة في العلم بالقضاء رضوان الله عليهم أجمعين فهو علي بن أبي طالب من غير خلاف . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأقضاهم علي . وكان عمر بن الخطاب يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن . وقال في المجنونة التي أمر برجمها ، وفي التي وضعت لستة أشهر فأراد عمر إقامة الحد عليها ، فقال له علي : إن الله رجع القلم من المجنون . . الحديث . فكان عمر يقول : لولا علي هلك عمر . وقيل لعطاء : أكان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد أعلم من علي ؟ قال : والله ما أعلمه . وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب عنه ، فلما بلغه قتله ، قال : ذهب العلم بموت علي . ومن كلام ضرار فيه ، وقد طلب منه معاوية وصفه بعد وفاته ، فقال : كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، إلى غير ذلك من صفاته . وفي مصنف أبي داوود عن علي رضي الله عنه قال : بغتني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا ، فقال : إن الله عز وجل سيهدي قلبك ، ويثبت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان ، فلا تقضي حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول ، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء . قال : فما زلت قاضيا ، وما شككت في قضاء بعد . وقال الفاضل المعاصر الدكتور مصطفى أمبابي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر في " الجديد في تاريخ الفقه الإسلامي " ( ص 105 ط دار المنار للنشر والتوزيع - القاهرة عام 1406 ) : أما علي بن أبي طالب فقد كان مبرزا في الفقه والقضاء ، وانتشرت أحكامه وفتاويه ، وكان الصحابة يعتمدون عليه في حل القضايا المشكلة ، فإذا لم يجدوا لها حلا عنده يئسوا من وجوده عند غيره ، ولذلك كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن أي علي بن أبي طالب ، ويعترف ببراعته في القضاء ، فيقول : علي أقضانا ، ويشاركه في ذلك ابن مسعود فيقول : أقضى أهل المدينة ابن أبي طالب ، ويقول هو عن نفسه : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا . ولا نجد شهادة لتزكية علي أثمن من شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له حين قال : أنا دار الحكمة وعلي بابها ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : يا علي لك سبع خصال لا يحاجك فيهن أحد يوم القيامة : أنت أول المؤمنين بالله إيمانا ، وأوفاهم بعهد الله ، وأقومهم بأمر الله ، وأرأفهم بالرعية ، وأقسمهم بالسوية ، وأعلمهم بالقضية ، وأعظمهم مزية يوم القيامة . وقضية من مكر النساء : كانت امرأة تهوى شابا لا يبادلها الهوى ، فصبت بياض بيض على ثوبها وبين فخذيها ، واشتكت إلى عمر ، صارخة أن الشاب غلبها على نفسها ، وفضحها بين أهلها ، مشيرة إلى الآثار التي افتعلتها . فأنكر الشاب الدعوى ، وأحال عمر القضية إلى الإمام علي . فأمر الإمام بماء حار ، صبه على الثوب ، فجمد ذلك البياض . وهكذا ، طهرت الحقيقة بفطنته ودقة بصره ، فقام ذلك مقام التحليل الكيماوي . وبالنتيجة زجر الإمام المرأة ، فاعترفت بحيلتها ، وقضى برد دعواها . ونادرة أخيرة فيها بعض التورية ، وهي أن الفاروق سأل رجلا عن حاله ، فأجابه أنه : يحب الفتنة ، ويكره الحق ، ويشهد على ما لم يره . فاغتاظ عمر من ظاهر عبارة جوابه ، فأمر بسجنه . ولما بلغ أمره الإمام عليا قال للفاروق : إن الرجل صادق موضحا أنه قال يحب المال والولد ، وقد قال الله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) . ويكره الموت وهو حق ، ويشهد أن محمدا رسول الله ولم يره . وقال الفاضل المعاصر الدكتور علي عبد الفتاح المغربي في كتابه " الفرق الكلامية الإسلامية " ( ص 143 دار التوفيق النموذجية في الأزهر ) : من هنا حاول الشيعة أن يؤكدوا رأيهم في الخلافة وأنها بالنص فأوردوا نصوصا من الكتاب والسنة وتأولوها بما يوافق رأيهم ويسانده ، وهذه النصوص انقسمت عندهم إلى جلي وخفي : فالجلي مثل قوله صلى الله عليه وسلم : أقضاكم علي ولا معنى للإمامة إلا القضاء بأحكام الله ، وهو المراد بأولي الأمر الواجبة طاعتهم بقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ولهذا كان حكما في قضية الإمام يوم السقيفة دون غيره . ومن الخفي عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا لقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلت ، فإنه بعث بها أولا أبا بكر ، ثم أوحى إليه : ليبلغه رجل منك أو من قومك ، فبعث عليا ليكون القارئ المبلغ ، قالوا : وهذا يدل على تقديم علي . وقال الفاضل المعاصر عبد الرحمن الشرقاوي في " علي إمام المتقين " ( ج 1 ص 63 ط مكتبة غريب الفجالة ) : وأما علي فقد انشغل بالعلم والتعليم وتفقيه الناس في أمور الدين والدنيا ، وبالفتيا كلما استفتاه أحد أو سأله خليفة رسول الله ، وشاعت فتاوى علي ، وأصبح فقهه منذ أخذ به الخليفة ، وكانت بعض هذه الآراء قد أفتى بها علي في زمن الرسول فأقرها صلى الله عليه وسلم . وقال في كتابه " أئمة الفقه التسعة " ج 2 ص 22 : وقد رأى أحمد بن حنبل أن اتباع أحكام الإمام علي سنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر جميع أحكامه ، فكأنه هو الذي حكم ثم أنه قد خصه بعلم القرآن . وقال الفاضل المعاصر المحامي الدكتور صبحي محمصاني في " تراث الخلفاء الراشدين في الفقه والقضاء " ( ص 182 ط دار الغلم للملايين - بيروت ) : أقضاكم علي ، كما قال النبي العربي صلى الله عليه وسلم ، وأقضانا علي ، كما ردد الفاروق . ولقد امتلأت كتب الفقه باجتهاد هذا الإمام القاضي ، وبطرائف أحكامه ، التي اتصفت بالفطنة والذكاء ، والدقة وصواب التفكير ، وأدت إلى سداد الرأي وإحقاق الحق . ونحن نوجز هنا بعض الأمثلة عن تلك الأقضية ، مختارة من كتاب الطرق الحكمية ، على أن نذكر غيرها في فصول لاحقة . منها قضية نسب : ادعى غلام أمام عمر الفاروق على امرأة أنها أمه ، فجاءت المرأة بنفر شهدوا بأنها لم تتزوج ، وأن الولد كاذب ، فأمر عمر بضرب المدعي حد القذف . فعلم الإمام علي بذلك ، فتداخل وعرض على الغلام أن يتزوج المدعى عليها . فصرخت المرأة : الله الله ، هو النار ، والله ابني . ثم أقرت أن أهلها زوجوها زنجيا دون رضاها ، فحملت منه هذا الغلام وذهب الزوج غازيا فقتل وبعثت هي بالولد إلى قوم نشأ بينهم ، وأنفت أن يكون ابنها . فحكم علي بثبوت نسب الغلام ، وبإلحاقه بالمدعى عليها . وقضية قتل : ادعى شاب لدى الإمام علي أن أباه ذهب مع نفر في سفر ، وأنهم لما عادوا زعموا أن والده مات ولم يترك شيئا من المال ، وأن القاضي شريحا استحلفهم وأخلى سبيلهم . فأمر الإمام بتوكيل شرطين بكل من المدعى عليهم ، لمنعهم من الاختلاط فيما بينهم ، ثم استجوبهم كلا منهم على حدة ، عن تفصيلات يوم خروجهم ، ومكان نزولهم ، وعلة موت رفيقهم ، وكيف أصيب بماله ، وكيف دفن وأين ، وما شاكل من الأسئلة الدقيقة . فكانت الأجوبة متناقضة ، فأمر بسجنهم ، فظن كل منهم أن صاحبه قد أقر ، فأقروا عندئذ جميعا بحقيقة القضية . وبالنتيجة ، حكم الإمام بتغريمهم المال ، وبإعدامهم قصاصا . فهذه القضية تثبت جواز تفريق المدعى عليهم ، لأجل التحري عن الحقيقة ، والوصل إلى الحكم بالعدل . وتثبيت أن الإقرار على أثر ذلك يعتبر صحيحا غير مشوب بالإكراه . وقال القاضي العلامة محمد بن خلف بن وكيع القرطبي المتوفى سنة 306 في " أخبار القضاة " ( ج 1 ص 5 ط القاهرة ) : وروايته لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وهو أجل القضاة ، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على القضاء في حياته . وقال الدكتور محمد مصطفى أمبابي أستاذ الفقه المقارن بجامعة مصر في " الجديد في تاريخ الفقه الإسلامي " ( ص 107 ط دار المنار - القاهرة ) : وقد كانت براعة علي في القضاء أمنية تمناها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحققها الله سبحانه وتعالى له ، فقد قال علي : لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قلت له : يا رسول الله ، بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ، ولا أدري ما القضاء ، فضرب الرسول صدري بيده ثم قال : اللهم اهد قلبه ، فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين . وقد استطاع علي كرم الله وجهه أن يجمع بين سلاحي الفقيه الناجح : العقل والنص ، فضم إلى فطنته وبراعته كثيرا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كان من رؤساء المفتين في عصره . ويبدو أن إكثاره من أحاديث كان راجعا إلى أمرين : حب علي للتلقي عن رسول الله ورغبة النبي صلى الله عليه وسلم في تفقيه علي ، وإنماء حاسته العلمية ، ويدل لذلك أنه سئل يوما ، فقيل له يا علي ، ما لك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ؟ فقال : إني كنت إذا سألته أنبأني ، وإذا سكت ابتدأني . وكان المتوقع وعلي بهذه الصفة من الفقه والعلم ، أن نجد علمه ، وفقهه على لسان الجمهور من الرواة والفقهاء ، لكن هؤلاء لم ينقلوا عنه إلا قليل ، وعن طريق جماعة معينة من الناس . ومع أن ابن القيم جعل عليا من المكثرين في الفتوى إلا أنه أسقطه من عداد الناشرين للفقه ، واقتصر على أربعة فقط ، هم : عبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعلل مسلكه بقوله : قاتل الله الشيعة ، فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه ، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه فتواه إلا ما كان عن طريق أهل بيته ، وأصحاب عبد الله ابن مسعود ، ولكن بعض الباحثين لم يرتض هذا التعليل من ابن القيم ، وأرجع قلة المروي عن علي إلى محاربة الحكم الأموي لكل آثاره العلمية ، حتى يضمحل شأنه ، ولا يشيع بين الناس ذكره . وقال الفاضل المعاصر الدكتور فاروق عبد العليم موسى رئيس محكمة الاستئناف في " الشريعة الإسلامية أصل أحكام القضاء " ( ص 79 ط دار الأقصر للكتاب ، كرداسة - جيرة ) : ومن قضاء علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنه : من بين ما تميز الإمام علي الصواب في القضاء وذلك منذ أن أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ودعا له : اللهم ثبت لسانه واهد قلبه ، وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام له : إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك ، ويقول الإمام علي : فما شككت في قضاء بين اثنين قط ، وفي رواية : وما أشكل علي قضاء بعد . وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : وأقضاهم علي بن أبي طالب . وكان علي رضي الله تعالى عنه يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، فإن لم يجد نصا اجتهد رأيه فيهما . ونورد آخر قضية فيها وهو يعالج سكرات الموت ويعاني من آلام الجراح ، والمتهم فيها هو الذي طعنه طعنات قاتلة بسيف مسموم ، قال رضي الله تعالى عنه عن ابن ملجم : إنه أسير ، فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه ، فأن بقيت قتلت أو عفوت وإن مت فاقتلوه قتلتي ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين . وقال في الهامش : مسند أحمد / 1 / 83 ، 88 ، سنن أبي داود / 2 / 114 ، الحاكم / 3 / 135 وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد / 5 / 63 ، وروى وكيع بسنده عن ابن عمر وشداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أقضى أمتي علي ، وروى عن عمر قوله أقضانا علي . أخبار القضاة / 1 / 88 . الطبقات الكبرى / ابن سعد / 1 / ق 3 / 23 ، المستدرك للحاكم / 3 / 144 وفيه : فإن أعش فهضم أو قصاص ، وأن مت فعاجلوه فإني مخاصمه عند ربي عز وجل .